الحديث و الدعاء و الحكمة

الجمعة، 6 مارس 2015

المحاسبة في شركات التأمين


























المحاسبة في شركات التأمين




v         يلعب التأمين دوراً هاماً في المجتمعات الحديثة ، فبالإضافة إلى الحماية الاقتصادية التي يوفرها التأمين لكثير من المشروعات فهو يساهم في تجميع المدخرات اللازمة لتحويل خطط التنمية في المجتمعات النامية أو للاستثمار في أوعية اقتصادية متعددة في المجتمعات المتقدة اقتصادياً.

v         ويعــــرف التأمين بأنه :

وثيقة أو عقـد أو اتفاق أو تعهد يلتزم المؤمْن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمْن له أو المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال أو إيراد أو مرتب أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقيق الخطر المبين في العقد ، وذلك مقابل قسط أو أي دفعة مالية يؤديها المؤمْن له للمؤمْن (شركة التأمين).

v         من التعريف يمكن تحديد عناصر أو مقومات التأمين :

(1)            المؤمْن : وهو ممثل في شركة التأمين المتخصصة التي تتولى إجراءات      التعاقد مع المؤمن له بمعنى (المؤمن هو شركة التأمين)

(2)            المؤمن له (المؤمن عليه) : هو الطرف الثاني في العملية التأمينية ، والذي يتولى دفع الأقساط وفقاً للعقد مع الشركة نظير حصوله هو أو المستفيد من التأمين على التعويضات المقررة أو المحددة في العقد.

(3)            المســـتفيد : هو الطرف المستفيد من قيمة التأمين ، وقـد يتمثل في المؤمن له نفسه ، أو طرف ثالث كما هو الحال في بعض حالات التأمين على الحياة.

(4)            وثيقة التأمين : وهي التي تصدرها شركة التأمين باعتبارها العقد الرئيسي للعملية التأمينية.

(5)            الخطــــر : يعبر عن الخطر المحتمل وقوعه للمؤمن له ، ويعبر نوع الخطر المؤمن ضده أمراً جوهرياً في التأمين ويجب أن يكون محدداً بصورة واضحة في وثيقة التأمين ويشترط أن يتوافر في الخطر :

أ  -       أن يكون الخطر محتمل الوقوع في أي وقت وليس مؤكد الوقوع في            لحظة معينة.

ب  -     أن يكون الخطر خارجاً عن إرادة المؤمن له.

ج  -      أن يكون الخطر مشروعاً وليس مخالف للنظام العام والآداب.

v         أنــــــــواع التأمــين :

[ 1 ]   من حيث حرية الاختيار ( الإلزام ) :

( أ )  تأمين اختيـــاري :

           يتم بمحض إرادة المؤمن له دون أي إجبار ، ومن أمثلة ذلك .. التأمين على الحياة ، التأمين ضد الأخطار.

( ب )  تأمين إجباري ( إلزامي ) :

           هو التأمين الذي تقضي به أو تلتزم به قوانين الدولة ، مثل : التأمين على السيارات – التأمين الاجتماعي – التأمين الصحي.

[ 2 ]  من حيث موضوع التأمين :

( أ )  تأمين على الممتلكات :

           وهو التأمين على ممتلكات الأفراد والشركات والهيئات كالعقارات والمنقولات مثل : التأمين ضد السرقة – التأمين ضد الحريق.

( ب )  التأمين علي الحياة :

           يكون موضوعه حياة الشخص المؤمن له مثل : التأمين على الحياة لحساب المؤمن له أو لحساب أفراد أسرته مثل : التأمين ضد البطالة أو الشيخوخة أو ضد خطر الوفاة.

( ج )  التأمين على المسؤولية :

  وهو التأمين على مسؤولية المؤمن له عما قد يسببه من أضرار للغير كالتأمين ضد إصابات العمل أو أمراض المهنة.
 
[ 3 ]  من حيث الناحية الاقتصادية :

( أ )  تأمين تجــاري :

           ويهدف إلى تحقيق الأرباح ويعتبر نوع من الادخار والاستثمار لدى شركة التأمين لمدة معينة ويكون من حق المؤمن له استرداد أرباحه أو عوائده في نهاية المدة .. مثل : البطالة – الشيخوخة – التعليم.

( ب )  تأمين غير تجــاري :

           ويغلب عليه الطابع الاجتماعي أو التعاوني ، ويهدف إلى المحافظة على الممتلكات .. مثل : التأمين ضد الأخطار.

v         ولغرض الدراسة يتم تقسيم التأمين ( القانون الإنجليزي ) إلى :

( 1 )  تأمين على الحياة ..

( 2 )  تأمينات عامـــــــة ..

التأمين على الحيــاة :

         ينقسم التأمين على الحياة إلى :

[ أ ]   تأمين ضد خطر الوفاة ..

         ( يتم سداد التأمين في حالة وفاة المؤمن له )

(1)            تأمين لمدة محدودة .. حيث يتم دفع مبلغ التأمين في حالة وفاة المؤمن له خلال المدة المنصوص عليها في العقد ، أما في حالة وفاته في مدة أخرى ، بخلاف المنصوص عليها في العقد ، فإنه لا يتم سداد مبلغ التأمين .. بمعنى .. أن التأمين ليس له قيمة استردادية في هذه الحالة.

(2)            تأمين لمدى الحيـاة .. في هذا التأمين يتم وضع مبلغ التأمين في حالة وفاة المؤمن له في أي وقت ( دون تحديد مدة ).

[ ب]  تأمين ضد خطر الحيــاة ..

          ( يتم سداد مبلغ التأمين في حياة المؤمن له )

(1)            تأمين الوقفية البحتة .. وهو أن يتم دفع مبلغ التأمين إذا بقيّ المؤمن له على قيد الحياة إلى سن معينة وهنا له طابع استثماري.

(2)            عقـد دفعات الحياة ( أو المعاشات ) .. وهذا العقد يضمن للمؤمن له الحصول على دفعات دورية ثابتة أو متغيرة القيمة من تاريخ معين ولمدة محدودة كعدد معين من السندات أو طالما بقي المؤمن له على قيد الحياة.

[ ج ]  تأمين مختــــلط ..

          وهو يجمع بين مزايا النوعين السابقين ، وهذا العقد يوفر حماية تأمينية منذ بداية العقد إلى تاريخ الاستحقاق ، وينص العقد على دفع مبلغ التأمين إلى المستفيد إذا توفيّ المؤمن له قبل تاريخ الاستحقاق ، ويدفع مبلغ التأمين أيضاً إلى حامل الوثيقة إذا بقيّ المؤمن له على قيد الحياة إلى تاريخ استحقاق الوثيقة ، وفي هذا النوع من العقود تستحق الوثيقة عند بلوغ المؤمن له سناً معينة أو في نهاية مدة محـــــددة.

التأمينـــــــات العامــــة :

         وتشتمل على خروج التأمين التالية :

[ أ ]    التأمين ضد الحوادث والمسؤولية ..

          ويشمل هذا النوع عمليات تأمينات المسؤولية الناشئة عن الحوادث الشخصية وإصابات العمل وحوادث السير ووسائل النقل والتأمين ضد السرقة وخيانة الأمانة.

[ ب ]  التأمين ضد الحريق والأخطار الأخرى ..

          مثل : الحريق – الزلازل – البراكين – الصواعق – الرياح – الانفجارات المنزلية – الأضرار التي يحدثها سقوط الطيارات والسفن.

[ ج ]  التأمين ضد أخطار النقل البري والنهري والجوي ..

[  د ]  التأمين ضد أخطار أخرى لم ترد في الفقرات السابقة ..

          مثل : تأمين الأرجل الذهبية للاعبي كرة القدم – تأمين الصوت للمطربين.

 

v             طبيعة العمليات في شركات التأمين :

(1)            يدفع المبلغ المؤمن له قسط التأمين الذي تحدده الشركة المؤمنة لقيامها بتحمل الخطر وعند تحقق الخطر المؤمن ضده تدفع التعويض وفقاً لنصوص العقد ، ومن هنا يتضح أن الأقساط التي يسددها المؤمنون تعتبر أهم أوجه المصروفات.

(2)            تقوم شركة التأمين باستثمار الأقساط وتحصل من خلالها على فوائــد وأرباح تعتبر مصدراً آخـــراً من مصــادر إيرادات الشــركة ( تسثمر في شراء أوراق مالية وفي العقارات وفي القروض).

(3)            تعتبر المصروفات التي تنفعها الشركة مثل : المصاريف الإدارية – والعمومية – والأجور والمزايا – وبدل السفر والانتقال – والعملات تعتبر كلها من أوجه الإنفاق التي تلتزم بها الشركة.

(4)            تقوم عمليات التأمين على فكرة توزيع المخاطر ، لذا قـد تقوم شركات التأمين بإعادة التأمين على جزء من عملياتها لدى شركات إعادة التأمين.

v             إعــــادة التأمــين :

·             هو عملية تتحمل بموجبها إحدى شركات التأمين كل أو جزء من الخطر الذي سبق أن تحملته شركة أخرى ، في مقابل قسط تدفعه الشركة التي تحملت الخطر بصفة أصلية ، ويسمى قسط إعادة التأمين ، ويلاحظ أن حقوق المؤمن له القانونية لا تتأثر بعملية إعادة التأمين ويظل المؤمن الذي أصدر عقد التأمين ملتزماً أمام المؤمن له بجمع المنافع التي تنشأ بموجب عقد التأمين.


مكانة المرأة في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

فإن الحديث عن المرأة وحقوقها من المهمات العظيمة والمسئوليات الجسيمة التي يجب أن يضطلع بها جماعة من المسلمين، ويتفرغ لها بعض طلبة العلم النابهين؛ لأن تناول حقوق المرأة صار شعاراً للمبطلين، ومن يرومون الطعن في الدين، وعقدت باسم المرأة مؤتمرات، وصدرت توصيات، وضاع أمر الله تعالى بين جاهل به وعدو له ومحرف للكلم عن مواضعه {ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه}[1] وصار المرء يسمع من كل منافق عليم اللسان حديثاً عن المرأة وحقوقها وواقعها، وربما يلجأ بعضهم إلى أن يفسر القرآن بهواه، أو ينسب ـ تحت ضغط الواقع ـ إلى السنة ما ليس منها، حتى قال بعضهم: إن شهادة المرأة كشهادة الرجل بل خير منه، وإن من حق المرأة أن تؤم الرجال في الصلاة المفروضة فضلاً عن المسنونة، وإن الواجب إعادة النظر في قسمة الميراث باعتبار أن المرأة ما عادت عالة على الرجل بل هي عاملة منتجة، وسمعنا من ينكر الحجاب أو يقول: إن المراد به تغطية الرأس وأعلى الصدر.. إلى غير ذلك من الترهات والأباطيل. وقد علم هؤلاء أن الحديث بمثل هذه الشنشنة طريق قصير إلى نيل رضا المنظمات الدولية والنظام العالمي الجديد، وسرعان ما ينال بعضهم لقب المفكر الإسلامي، أو المجتهد أو المجدد 

ألقاب مملكة في غير موضعها   كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

وكما قيل: ليس أضنى لفؤادي من عجوز يتصابى، وعليم يتغابى، وجهول يملأ الأرض سؤالاً وجوابا!! إن الشبهات التي يطرحها غير المسلمين لا بد لها من جواب، والواقع المر الذي تعيشه المرأة المسلمة لا بد له من علاج، كما أن عرض رسالة الإسلام السمحة ونظمه العادلة على من جهلها مطلب شرعي ملح في زمان كثر فيه المتحدثون باسم الدين )ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة([2]
مقدمة عقدية

إن الحديث عن موضوع كهذا لا بد من التقديم قبله بكلام مهم ينبغي أن يعيه كل مسلم، خلاصته أن منهج المسلم ـ رجلاً كان أو امرأة ـ هو تلقي أحكام الله تعالى بالتسليم والرضا )فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما([3] يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، لا يكفي حتى يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن. فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين[4] ويقول سبحانه )وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً([5] والاعتراض على أحكام الله تعالى والإعراض عنها سمة المنافقين من زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم )ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين *
  وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون([6] وفي مقابل هؤلاء نجد المؤمنين الطيبين يثني عليهم ربنا بقوله )إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون([7] وهذه هي التي ميزت الجيل الأول وهم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وأذكر ها هنا مثالاً يتضح به الحال: عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: وكانت الأنصار إذا  كان لأحدهم أيم لم يزوِّجها حتى يعلم هل للنبي صلى الله عليه وسلم فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار {زوجني ابنتك} فقال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعم عيني. فقال {إني  لست أريدها لنفسي} قال: فلمن يا رسول الله؟ قال {لجليبيب} فقال: يا رسول الله أشاور أمها! فأتى أمها فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك! فقالت: نعم ونعمة عيني. فقال: إنه ليس  يخطبها لنفسه؛ إنما يخطبها لجليبيب. فقالت: أجليبيب ابنه؟ أجليبيب ابنه؟ أجليبيب ابنه؟ لا لعمر الله لا تزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بما قالت أمها؛  قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها؛ فقالت أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟  ادفعوني فإنه لم يضيعني!! فانطلق أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره؛ قال {شأنك بها فزوجها  جليبيبا} قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة له؛ قال: فلما أفاء الله عليه قال  لأصحابه {هل تفقدون من أحد؟} قالوا: نفقد فلاناً ونفقد فلاناً. قال {انظروا هل تفقدون من أحد؟} قالوا: لا. قال {لكني أفقد جليبيبا} قال {فاطلبوه في القتلى} قال: فطلبوه؛ فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه؛ فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقام عليه فقال {قتل سبعة وقتلوه هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، مرتين أو ثلاثاً} ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه وحُفر له، ما له سرير إلا ساعدا رسول الله


حكم الغناء



حكم الغناء


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن الله قد خلق الإنسان على أحسن تقويم، وجعل له السمع والبصر، وجعل له الفؤاد، وجعل كل ذلك مسؤولًا عنه يوم القيامة، ومن نظر إلى خلقه الذي أمره الله بأن يتفكر فيه ؛ وجد عجبًا من عظيم خلق الله عز وجل، وحسن صنعه، وتمام إبداعه.

ولذلك قال الله عز وجل: ((وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)) (الذاريات:21).


السمع والبصر هما أعظم الحواس التي خلق الله الإنسان عليها، ومن أعظم نعم الله عليه.


يقول الله في كتابه العظيم: (( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)) (الإنسان:2).


من نظر إلى هذه الآية، وتأملها، وجد فيها من المعاني، العظيمة من تقديم السمع على البصر، وأنها من أعظم النعم التي يستوعب فيها الإنسان دين الله، ويدرك فيها تشريعه.

ذكر الله سبحانه وتعالى السمع والبصر في ( تسعة عشر ) موضعًا من كتابه الكريم، وقدّم السمع على البصر في ( سبعة عشر ) موضعًا، مما يدل على مكانة السمع، وجلالة قدره، وعِظَم نعمته على سائر النِعَم التي وُهِبها الإنسان، ومن لطائف تقديم السمع على البصر في كلام الله، ما ذكره أهل الطب أن سمع الإنسان يتكون تكوينًا تامًا قبل البصر، وهذا تظهر الحكمة فيه من تقديم السمع على البصر، وذلك أن الإنسان بسمعه يكون من أهل التكليف بالجملة، وينفذ إلى عقله وقلبه الأحكام الشرعية والتكاليف.

والأعمى أقل الناس ضررًا في دينه وأكثر ضررًا في دنياه، وأحسن الناس عاقبة يوم القيامة من أهل الأضرار في الحواس، ومن فقد السمع فإنه أقلهما ضررًا في دنياه، وأقلهما نفعاُ في دينه، وذلك أنه بالسمع يفقه التشريع، ويكون من أهل التكليف والامتثال، ولذلك كان السمع بالمقام المحمود في خِلقة الإنسان، والإنسان رزق الصوت الحسن، وأعطي سمعًا يتلذذ بالحسن وينعم به، يقول الله: ((الْحَمْدُ لِلهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)) (فاطر:1).


قال ابن جرير الطبري: في تفسيره عند قول الله سبحانه وتعالى: ((يزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)) (فاطر:1).


إنه حُسْنُ الصوت, مما يتلذذ به الإنسان من جميل القول.

وقد امتدح الله سبحانه وتعالى المنطِق وحُسْنَ المقال, باعتبار وصوله إلى المسامع، فلا يمدح القول إلاّ لأنه مسموع، ولذلك أمتدح الله الصوت الحسن وذمّ المنكر منه، واستنكر الله صوت الحمير: (( إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)) (لقمان:19).

مما يدل على أن ثمّة أصواتًا حسنة تتشنًفَّ بها الأسماع وتتلذّذ بها، وهو من نعيم أهل الجنة, كما قال تعالى: ((فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ)) (الروم:15).

جاء في التفسير: أنه السماع، كما روى ابن جرير عن الأوزاعي عن يحي ابن أبي كثير قال: السماع.


وكان من فطرة الإنسان أن يتلذذ بالصوت الحسن الجميل، وهذا من الطِباع التي لا ينكرها أحد، فإن الطفل يأنس بصوتٍ حسنِ يتلذّذ به.

وكما أنه في بني آدم، فإنه في البهائم، فإن الرحل إنما تشد في مسيرها إذا كان صاحبها من أهل الحداء الحسن، وهذا معلوم. 


ولذلك يقول ابن عليّة: كنت أمشي مع الإمام الشافعي رحمه الله فسمعنا صوتًا فمِلنا إليه، فقال لي: أيطربك هذا ؟

قلت: لا، قال : مالكَ ! حسن.

وفي معناه أشعار الحداء في السفر كقولهم في طريق مكة:

بشَّرها دليلُـهـا وقـالا  ** غدًا ترين الطّلْحَ والحبالا

وقد أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بتحسين الصوت بالقرآن، فقال (( ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن )).


وقال- صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيح: (( ما أَذِنَ الله لشيء إذنه لنبي يتغنّى بالقرآن يجهر به )).


وقوله - صلى الله عليه وسلم- : (( زينوا القرآن بأصواتكم)).

ولذلك اتفق العلماء قاطبة: أن تحسين الصوت من المستحبات، بل قال بعضهم بوجوبه لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم-: (( ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن)).

ذهب جماهير العلماء - ممن نص على تأويل هذا الخبر- إلى أن المراد بالتغني هنا: تحسين الصوت.


قال الإمام الشافعي فيما رواه عنه الربيع-: ( المراد بذلك تحسين الصوت بالقراءة ).

قال ابن عيينة: أن المراد بذلك: الاستغناء بالقرآن عن غيره من المعاني.

 وصوب ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام في وجه.


وكلها لها وجةٌ في لغة العرب، والأظهر والمشهور أن المراد بذلك تحسين الصوت، وظاهره يعضده قوله - صلى الله عليه وسلم-:(( زينوا القرآن بأصواتكم)).

وأما حمله على الاستغناء, فقد استنكره الإمام الشافعي رحمه الله فقال: أما قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: ((ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن)).

لو كان على الاستغناء لكان يقول: ليس منا من لم يتغن.

وقيل: أنهما يحملان على الوجهين كما نص عليه أبو عبيد القاسم بن سلاّم.

وقد استدل بعضهم بقول الأعشى:

وكُنْتُ امْرًَا زَمَنًا بالعِراق ** عَفِيفَ المُناخِ طَويلَ التَّغَنْ

أي : الاستغناء عن الناس وعدم الحاجة إليهم.


ومازال العرب في الجاهلية والإسلام يستحبون الشعر وإنشاده - وحتى أصحاب رسول الله   - صلى الله عليه وسلم- ويتلذذون بذلك, وقد روى البيهقي في سننه بإسناد حسن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ( كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- رجالًا يقولون الشعر، ويتلذذون به، فإذا أُرِيدَ أحدٌ منهم على دينه دارت حماليق عينيه) 

وذلك أنهم إنما كان يغضبهم فاحش القول والبذيء منه، وما يخرج عن الطِباع من الطرب وغيره.


ومن نظر إلى لغة العرب واستعمالهم للغِناء وجد أنهم يريدون به الشعر، والكلام المسجوع،     فيسمونه غِناءً.

يقول حميد بن ثور:

عجبت لها أنّى يكون غناؤها  **  فصيحًا ولم تفغر بمنطقها فَمَا

وذلك أن الغناء هو ما خرج من الفم مجردًا, ولا يلحق به غيره، فإن خرج مع المنطق، وسُمِع غيره من آلات اللهو، لم يكن من الغِناء المجرد.

ولذلك يسمى ( الحداء ) و( الشعر ) و( الكلام المسجوع ) وكلّه من الغناء، إذا حسن الصوت به، ويظهر هذا في قوله - صلى الله عليه وسلم-:   (( ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن)).


وفي قوله - صلى الله عليه وسلم-: (( ما أذِنَ الله لشيء أذنه لنبي أن يتغنَّ بالقرآن)).

أي: يحسن صوته به، وجلُّ القرآن مسجوع، ولذلك دخل في هذا الباب.

ومن نظر إلى النصوص من أفعال الصحابة وكذلك أشعار العرب وجد أنهم يطلقون الغناء ويريدون به الشعر والحداء، حتى اشكل ذلك على كثير من المتأخرين، وظنّوا أن ما يطلق من أقوالهم يراد به الغناء باصطلاح المتأخرين، وهذا غاية الجهل وسوء الفهم، فإن هذا لم يكن عندهم مطلقًا.


وقد طرأ سوء الفهم عند بعضهم في إطلاقات بعض السلف، وما جاء في النصوص من كلام النبي- صلى الله عليه وسلم- , وكلام الصحابة عند بعض الأئمة من الفقهاء، ولذلك؛ لما ذكر ابن رجب رحمه الله في" ذيل طبقات الحنابلة " عند ترجمته لعبد الرحمن بن نجم الشيرازي المشهور بـ ( ابن الحنبلي) وهو من كبار الفقهاء في مذهب الإمام أحمد، حتى لما قدِم إلى ابن قدامة عليه في العام الذي توفي فيه، قال له ابن قدامة: لقد سررت بمقدمك، فإني خشيت أن أموت فيقع وهَنٌ بالمذهب ويقع الخلافٌ بالأصحاب.


لما استشكل وخلط بين الغِناء والحداء أي الغناء الذي وقع عند المتأخرين وبين الحداء الذي جاء عن بعض السلف والصحابة وغيرهم وكتب ابن الحنبلي في ذلك كتابًا عنّف عليه ابن قدامة بقوله: ( وشرع بالاستدلال لمدح الغناء بذكر الحداء، وهذا صنيع من لا يفرق بين الحداء والغناء ولا قول الشعر على أي وجهٍ كان، ومن كان هذا صنيعه فليس أهلًا للفتيا ).


والذي قال هذا القول هو نفسه الذي قد ذكر في كتابه " المغني " أن الغناء محلُّ خلاف عند العلماء من الأصحاب، فأي غناءٍ أراد ؟

 الجواب  : أراد الحداء، فإنه قبل وفاته بعامٍ قد شنّع على ابن الحنبلي وذكر اتفاق العلماء على تحريم الغناء.

قال الإمام ابن الجوزي: " كان الغناء في زمانهم إنشادَ قصائدَ الزهدِ إلا أنهم كانوا يُلحِّنونها ".

ولذا قال بعض الفقهاء بحضرة الرشيد لابن جامع: الغناء يفطر الصائم, فقال: ما تقول في بيت عمر بن أبي ربيعة إذ أنشد:

أمِن آل نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ ** غداة غـد أم رائح فـمـهـجـر!

أيفطر الصائم؟ 

قال: لا. قال: إنما هو أن أمد به  صوتي, وأحرك به رأسي.

Copyright @ 2013 مؤسسة الاسلام .